عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

271

اللباب في علوم الكتاب

خيّر بين أن يصوم وبين أن يفطر ويفدي ] « 1 » ثم نسخ بقوله : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » وتثبت الرّخصة للّذين لا يطيقونه ، وذهب جماعة إلى أنّ الآية الكريمة محكمة غير منسوخة ، معناه : وعلى الّذين كانوا يطيقونه في حال الشّباب ، فعجزوا عنه بعد الكبر ، فعليهم الفدية بدل الصّوم ، وقراءة ابن عباس « يطوّقونه » بضم الياء ، وفتح الطّاء مخففة ، وتشديد الواو ، أي : يكلّفون الصوم ، فتأوّله على الشّيخ الكبير ، والمرأة الكبيرة ، لا يستطيعان الصّوم ، والمريض الذي لا يرجى برؤه ، فهم يكلّفون الصّوم ، ولا يطيقونه ، فلهم أن يفطروا ، ويطعموا مكان كلّ يوم مسكينا ، وهو قول سعيد بن جبير « 2 » ، وجعل الآية محكمة . فصل في المراد بالفدية ومقدارها « الفدية » في معنى الجزاء ، وهو عبارة عن البدل القائم عن الشيء وهي عند أبي حنيفة نصف صاع من برّ ، أو صاعا من غيره وهو مدّان ، وعن الشّافعي « مدّ » بمدّ النبي - صلى اللّه عليه وسلم - وهو رطل وثلث من غالب أقوات البلد ، وهو قول فقهاء الحجاز . وقال بعض فقهاء العراق : نصف صاع لكلّ يوم يفطر « 3 » . وقال بعض الفقهاء : ما كان المفطر يتقوّته يومه الّذي أفطره « 4 » . وقال ابن عباس : يعطي كلّ مسكين عشاءه وسحوره « 5 » . فصل في احتجاج الجبائي بالآية احتجّ الجبّائيّ بقوله تعالى : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » على أن الاستطاعة قبل الفعل ؛ فقال : الضمير في قوله : « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ » عائد إلى الصّوم ، فأثبت القدرة على الصّوم حال عدم الصّوم ؛ لأنّه أوجب عليه الفدية ، وإنّما تجب عليه الفدية إذا لم يصم ؛ فدلّ هذا على أن القدرة على الصّوم حاصلة قبل حصول الصّوم . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون الضمير عائدا إلى الفدية ؟ قلنا : لا يصحّ لوجهين : أحدهما : أن الفدية متأخّرة ، فلا يعود الضّمير إليها . والثاني : أنّ الضّمير مذكّر ، والفدية مؤنّثة . فإن قيل : هذه الآية منسوخة ، فكيف يجوز الاستدلال بها ؟ !

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 150 . ( 3 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 150 . ( 4 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 150 . ( 5 ) ينظر : تفسير البغوي 1 / 150 .